اعمدة ومقالات الرأى

محمدعثمان الرضي..يكتب..حين يتقاطع النسب مع الجغرافيا: البرهان ونظارة الحباب… رواية الانتماء ودلالات التاريخ

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمدعثمان الرضي..يكتب..حين يتقاطع النسب مع الجغرافيا: البرهان ونظارة الحباب… رواية الانتماء ودلالات التاريخ

في مشهد سياسي تتداخل فيه الرمزية مع الواقع، ظل رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان يستحضر، في لقاءاته الخاصة والعامة، خيطاً اجتماعياً يمتد عميقاً في بنية المجتمع السوداني، وهو رابط النسب والدم الذي يجمعه بنظارة الحباب بشرق السودان.

هذا الاستحضار لم يكن عابراً أو وليد لحظة، بل جاء متكرراً في أكثر من مناسبة، بما يعكس رغبة واضحة في تأكيد هذا الامتداد الاجتماعي وإبرازه كجزء من هويته المركبة التي تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية. وعندما يتحدث قائد بحجم البرهان عن انتماءاته، فإن ذلك لا يُقرأ فقط في سياق شخصي، بل يُفهم أيضاً ضمن سياق سياسي واجتماعي أوسع، حيث تلعب الروابط القبلية والتاريخية دوراً محورياً في تشكيل التوازنات داخل السودان.

ويبدو لافتاً أن البرهان، رغم انحداره من شمال السودان، لم يجعل من هذا الانتماء محوراً رئيسياً في خطابه، بل فضّل تسليط الضوء على علاقته بقبيلة الحباب، في دلالة تستحق التوقف عندها وتأمل أبعادها. أولى الإشارات العلنية لهذه العلاقة برزت خلال لقاء جمعه بقيادات الإدارة الأهلية بشرق السودان، حيث أشار إلى صلته بنظارة الحباب أثناء مصافحته لناظرها العام.

ذلك المشهد لم يكن مجرد تحية بروتوكولية، بل حمل في طياته رسالة رمزية تعكس عمق العلاقة، وتؤكد أن الروابط الاجتماعية في السودان كثيراً ما تتجاوز الانقسامات الجغرافية والإدارية. كما أن تكرار هذه الرواية في أكثر من مناسبة يعزز من مصداقيتها، خاصة مع تأكيدها من شخصيات اعتبارية داخل نظارة الحباب، من بينها وكيل الناظر بولاية القضارف.

هذه الشهادات المتقاطعة تعطي للرواية بعداً توثيقياً، وتُخرجها من إطار السرد الشخصي إلى فضاء الذاكرة الجمعية التي تحتفظ بها المجتمعات المحلية.وتُعد نظارة الحباب واحدة من أعرق الكيانات الأهلية في شرق السودان، حيث تمتد جذورها إلى قرون بعيدة، وتتميز بنظام إداري متماسك يقوم على الأعراف والتقاليد المتوارثة.

هذا الإرث التاريخي منحها مكانة خاصة وسط بقية النظارات، وجعل منها فاعلاً مهماً في إدارة الشأن الاجتماعي، فضلاً عن دورها في حفظ التوازنات القبلية. ولم تكن نظارة الحباب منعزلة عن محيطها، بل ظلت منفتحة على مختلف القبائل، عبر المصاهرة والتداخل الاجتماعي، وهو ما أسهم في بناء شبكة علاقات واسعة داخل السودان وخارجه.

هذه الامتدادات الجغرافية والاجتماعية جعلت من الحباب نموذجاً للترابط السوداني العابر للأقاليم، حيث تتقاطع الهويات في إطار وحدة أوسع. وفي هذا السياق، فإن حديث البرهان عن علاقته بالحباب يمكن قراءته كإشارة إلى هذا النموذج، الذي يقوم على التداخل والتكامل لا الانغلاق والانفصال. كما أن إبراز هذا الانتماء قد يحمل في طياته رسائل سياسية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه البلاد، والتي تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسامات.

فالقيادات السياسية، حين تستدعي مثل هذه الروابط، غالباً ما تسعى إلى بناء جسور ثقة مع مكونات اجتماعية مختلفة، بما يعزز من فرص الاستقرار. غير أن هذا الطرح يفتح أيضاً باب التساؤل حول حدود توظيف الانتماءات القبلية في الخطاب السياسي، ومدى تأثير ذلك على مشروع الدولة الوطنية الحديثة.

فبينما يرى البعض في هذه الروابط عنصر قوة، يعتبرها آخرون تحدياً أمام بناء مؤسسات تقوم على المواطنة لا الانتماء القبلي. وفي الحالة السودانية، حيث تتشابك الهويات، يصبح هذا الجدل أكثر تعقيداً، ويحتاج إلى مقاربة متوازنة تراعي خصوصية المجتمع. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن القبيلة ما زالت تلعب دوراً مؤثراً في تشكيل الوعي الجمعي، وأن تجاهلها في الخطاب العام قد يكون غير واقعي.

ومن هنا، فإن استدعاء البرهان لعلاقته بالحباب قد يُفهم كقراءة واقعية لطبيعة المجتمع، ومحاولة للتواصل معه بلغته التاريخية. وفي المقابل، يبقى التحدي قائماً في كيفية توظيف هذه الروابط دون أن تتحول إلى أدوات للفرز أو الإقصاء. وتاريخ نظارة الحباب، بما يحمله من انفتاح وتداخل، قد يقدم نموذجاً إيجابياً يمكن البناء عليه في هذا الاتجاه. فهي ليست مجرد كيان قبلي، بل تمثل تجربة اجتماعية قائمة على التعايش والتكامل بين مكونات متعددة.

كما أن نظامها الأهلي، الذي تطور عبر الأجيال، يعكس قدرة المجتمعات المحلية على إدارة شؤونها بفعالية، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية. وفي ظل التحولات التي يشهدها السودان، تبرز أهمية الاستفادة من مثل هذه التجارب في إعادة بناء الدولة على أسس أكثر شمولاً.ويبقى حديث البرهان عن نسبه للحباب جزءاً من سردية أكبر، تتعلق بعلاقة القيادة بالمجتمع، وبكيفية توظيف التاريخ في الحاضر.

هذه السردية، مهما اختلفت القراءات حولها، تؤكد أن السودان لا يزال بلداً تُصاغ فيه السياسة بقدر كبير من الوعي الاجتماعي والتاريخي.وفي نهاية المطاف، فإن قيمة هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في قدرتها على إثارة النقاش حول الهوية والانتماء ومستقبل الدولة.وهو نقاش، رغم تعقيداته، يظل ضرورياً لفهم الواقع السوداني والسعي نحو بناء مستقبل أكثر تماسكاً واستقراراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى