تقارير وحوارات

فجر كادوقلي الجديد.. القوات المسلحة تكسر قيد العامين وتكتب نهاية أطول حصار في تاريخ “عروس الجبال”

الخرطوم: الرسالة نيوز

تقرير – الرسالة نيوز

مع أولى تباشير فجر الثلاثاء، لم تكن مدينة كادوقلي، حاضرة ولاية جنوب كردفان، على موعد مع يوم عادي؛ فبعد عامين من العزلة القسرية وتحت وطأة حصار خانق أطبق على أنفاسها، انبلج فجر الخلاص مع دخول طلائع القوات المسلحة السودانية إلى قلب المدينة. هذا التطور الميداني لم يكن مجرد عبور عسكري، بل كان إعلاناً مدوياً بانتهاء حقبة من القهر والجوع والمرض، وبداية لمرحلة إستراتيجية جديدة ستعيد رسم خارطة الصراع في إقليم كردفان والسودان قاطبة.

إعلان النصر من قلب امدرمان 

وفي لحظة تاريخية حبست أنفاس المتابعين، أطل رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، من داخل استديوهات التلفزيون القومي بأم درمان، ليزف البشرى للسودانيين بفتح الطريق الإستراتيجي المؤدي إلى كادوقلي. وبكلمات مفعمة بالثقة، بارك البرهان لأهل المدينة صمودهم الأسطوري، مؤكداً أن وصول الجيش إليهم هو رسالة واضحة بأن القوات المسلحة لن تترك شبراً من أرض الوطن نهباً للمليشيات، وأن قدرتها على الوصول إلى أبعد النقاط هي مسألة وقت وإرادة.

ملحمة تحطيم قيود “تأسيس”

ولم يكن الانتصار الذي تحقق وليد الصدفة، بل جاء نتاج عملية عسكرية معقدة استمرت لأكثر من أسبوع، انتقل فيها الجيش من وضعية الدفاع المستميت إلى الهجوم الكاسح. وبحسب التقارير الميدانية، فقد خاضت القوات المسلحة معارك ضارية في “طريق كادوقلي – الدلنج”، نجحت خلالها في دحر قوات تحالف “تأسيس” المكون من الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو. هذا الهجوم أجبر المتمردين على التراجع نحو عمق الجبال في محيط “كاودا” وغرباً باتجاه “أبو زبد”، مخلفين وراءهم عتاداً ضخماً ورهانات خاسرة كانت تهدف لإسقاط المدينة عبر سلاح التجويع والحصار.

 

زلزال إستراتيجي يغير قواعد اللعبة

ومن الناحية العسكرية، يرى الخبراء أن فك الحصار يمثل تحولاً جذرياً؛ حيث يوضح الخبير العسكري اللواء عوض عبد الرحمن أن حصار كادوقلي كان يهدف لعزلها تماماً وإعلانها “منطقة محررة” تابعة للحركة الشعبية للسيطرة على مواردها الغنية. إلا أن هذا الانتصار كسر هذا المخطط، وفتح الباب أمام تحرير ولاية غرب كردفان بالكامل، وتأمين مدينة الأبيض التي تعد الهدف الأكبر للدعم السريع. ومع انهيار خطوط إمداد المتمردين، أصبحت القوات المسلحة الآن في وضع يسمح لها بالانفتاح نحو الحدود وتطهير المنطقة من “قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها”

سقوط الأقنعة وشق الطريق نحو دارفور

وعلى الصعيد السياسي، يؤكد اللواء الركن دكتور محمد خليل الصائم، أستاذ العلاقات الدولية، أن هذا الانتصار يبعث برسالة حازمة لمن يتاجرون بقضايا التهميش في جبال النوبة. ويرى الصائم أن نجاح الجيش في كسر الحصار سيتيح له استغلال هذا الزخم للتقدم غرباً نحو دارفور، بل وفتح الباب أمام استعادة “كاودا” نفسها، معقل الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو. وأشار إلى أن تحالف الحلو مع الدعم السريع تسبب في سقوط أقنعته السياسية، ولم يعد يمثل تطلعات أبناء النوبة الذين عانوا الأمرين تحت وطأة هذا التحالف.

شريان الحياة يعيد النبض لعروس الجبال

بعيداً عن جبهات القتال، بدأت الحياة تدب في أوصال كادوقلي المنهكة؛ ففتح الطريق يعني وصول قوافل الغذاء والدواء التي انقطعت لعامين، مما سيعيد الروح للأسواق والمستشفيات التي كانت تعمل بنصف طاقتها. الناشطون الطوعيون في المدينة أكدوا أن هذا التحول سيسهم في عودة المدارس لمزاولة نشاطها، ويشجع آلاف الأسر النازحة التي فرت إلى النيل الأبيض أو لجأت لدولة جنوب السودان على العودة إلى ديارهم، لتطوي كادوقلي بذلك صفحة مؤلمة من تاريخها وتستعد لكتابة فصل جديد من الاستقرار والنماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى