
إن الحقيقة في السودان، لا تحتاج إلى غرف مغلقة، ولا إلى استطلاعات مدفوعة، فحين يخرج الشارع السوداني ، فهو يقول الكلمة الأخيرة.
وما شهدته الولايات والمحليات، القرى والفرقان، والأحياء التي لم تنم على الحياد يومًا، لم يكن مسيرات عاطفية، بل إعلان موقف وطني كامل الدسم.
كان ذلك استفتاءً فعليًا، بلا صناديق، وبلا لجان، لكنه أوضح من كل الأرقام، أن دعم الجيش السوداني ومساندته لم يعد بندًا في النقاش العام، بل أولوّية قصوى فرضتها لحظة الخطر، وصدّقها وعي الناس.
هذا الشارع، الذي يعرف جيدًا من يحميه ومن يساوم باسمه، قالها بوضوح لا يحتمل التأويل يوم أمس ، نحن خلف جيشنا وجيشنا أمامنا ومن خلفنا لا نفاوض في هذه المسألة، ولا نؤجلها، ولا نخضعها لمزايدات السياسة.
وفي الوجه الآخر للمشهد، كانت الرسالة أشد صراحة ووشوحاً ، أن الخيانة — مهما تلونت — لا تجد لها مكانًا حين يصحو الضمير الجمعي. وأن الشعب، حين يعزم، يتوكل، وحين يختار، يمضي حتى النهاية.ولو خاض الجيش عرض البحر، لخاضه معه هذا الشعب، دون تردد، ودون استثناء.
والشوارع لا تخون.وحين تثور، فإنها لا تفعل ذلك نزقًا، بل لأنها بلغت حدَّ الغليان، وحين تغلي كمرجل، فإنها لا تترك مجالًا للرماديين.
ذلك هو الطوفان الوطني الذي لا يعترف إلا بالله ناصرًا، وبالجيش درعًا، وبالوطن مقصدًا.بالأمس، لم يكن المشهد جديدًا على ذاكرة السودان الممتلئة بالتضحيات ، بل كان تكرارًا ناصعًا للتاريخ.
فها هم أحفاد المهدي، والفونج، وكورتي، وكرري، وشيكان، يعودون إلى مواقعهم الطبيعية، كلما نادت الأرض باسمها الحقيقي. فهذا شعب، إذا وطئت أقدامه أرض المعركة، تحقق له ما يريد، لأنه لا يقاتل من أجل وهم، بل من أجل بقاء الدولة.
ومن يراهن على انقسام هذا الشارع، فإنه لم يقرأ السودان جيدًا. ومن يظن أن الشعب يمكن أن يقايض أمنه وسيادته بالشعارات، فلم يفهم معنى التجربة ولا قسوة الدرس.
التحية للشعب السوداني،وهو يصطف اليوم خلف جيشه، اصطفاف وعي لا انفعال، اصطفاف يعرف ما يريد، ويدرك ما يرفض،ويكتب، مرة أخرى، سطرًا واضحًا في دفتر الوطن:أن السودان، حين يُمتحن، لا يخذل نفسه.
Elhakeem.1973@gmail.com*




